أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

315

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق « عَلى » ب « رَسُولٌ » ، ولم يخطر لهم تعليقه إلّا ب « حَقِيقٌ » . قال الشيخ : « وكلامه فيه تناقض في الظاهر ، لأنه قدّر أولا العامل في « عَلى » : أرسلت ، وقال أخيرا : إنهم غلوا عن تعليق « عَلى » ب « رَسُولٌ » . فأما هذا الأخير فلا يجوز عند البصريين ، لأن رسولا قد وصف قبل أن يأخذ معموله ، وذلك لا يجوز . وأما تعليقه ب « أرسلت » مقدرا ، لدلالة لفظ « رَسُولٌ » عليه ، فهو تقدير سائغ ، وتناول كلامه أنه أراد بقوله : تعلق « عَلى » ب « رَسُولٌ » أنه لما كان دالا عليه صح نسبة التعلق له » . قلت : قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة - بعد ما ذكر هذا الوجه عن ابن مقسم ، والأوجه الأربعة التي للزمخشري - : « ولكن هذه وجوه متعسفة ، وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولا » . يعني : وجه ابن مقسم . وهذا فيه الإشكال الذي ذكره الشيخ من إعمال اسم الفاعل ، أو الجاري مجراه وهو موصوف . وقراءة نافع واضحة ، وفيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون الكلام قد تم عند قوله : « حَقِيقٌ » ، و « عَلى » خبر مقدم ، و « أَنْ لا أَقُولَ » مبتدأ مؤخر ، كأنه قيل : عليّ عدم قول غير الحق ، أي : فلا أقول إلا الحق . الثاني : أن يكون « حَقِيقٌ » خبرا مقدما ، و « أَنْ لا أَقُولَ » مبتدأ على ما تقدم بيانه . الثالث : أن « أَنْ لا أَقُولَ » فاعل ب « حَقِيقٌ » ، كأنه قيل : يحق ويجب أن لا أقول . وهذا أعرب الوجوه ، لوضوحه لفظا ومعنى . وعلى الوجهين الأخيرين يتعلق « عليّ » ب « حَقِيقٌ » ، لأنك تقول : حق عليه كذا ، قال تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ . وعلى الوجه الأول يتعلق بمحذوف ، على ما عرف غير مرة . وأما رفع « حَقِيقٌ » فقد تقدم أنه يجوز أن يكون خبرا مقدما . ويجوز أن يكون صفة ل « رَسُولٌ » وعلى هذا فيضعف أن يكون « من رب » صفة ، لئلا يلزم تقديم الصفة غير الصريحة على الصريحة ، فينبغي أن يكون متعلقا بنفس « رَسُولٌ » ، وتكون « مِنْ » لابتداء الغاية مجازا ، ويجوز أن يكون خبرا ثانيا ، ويجوز أن يكون مبتدأ وما بعده الخبر على قراءة من شدّد الياء ، وسوّغ الابتداء بالنكرة حينئذ تعلق الجار بها . فقد تحصل في رفعه أربعة أوجه . وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول ؟ الظاهر أنه يحتمل الأمرين مطلقا ، أعني : على قراءة نافع ، وعلى قراءة غيره . وقال الواحدي - ناقلا عن غيره - : إنه مع قراءة نافع محتمل للأمرين ، ومع قراءة العامة بمعنى مفعول ، فإنه قال : « وحقيق » على هذه القراءة - يعني قراءة نافع يجوز أن يكون بمعنى فاعل ، قال شمر : تقول العرب : حقّ عليّ أن أفعل كذا . وقال الليث : حقّ الشيء : معناه : وجب ، ويحق عليك أن تفعله ، وحقيق عليّ أن أفعله ، فهذا بمعنى فاعل . ثم قال : وقال الليث : وحقيق بمعنى مفعول . وعلى هذا تقول : فلان محقوق عليه أن يفعل . قال الأعشى : 2273 - لمحقوقة أن تستجيبي لصوته * وأن تعلمي أنّ المعان موفّق « 1 » وقال جرير : 2274 - . . . * قصّر فإنّك بالتّقصير محقوق « 2 » ثم قال : و « حَقِيقٌ » على هذه القراءة - يعني قراءة العامة بمعنى محقوق انتهى » . وقرأ أبيّ « بأن لا أقول » ،

--> ( 1 ) انظر ديوانه ( 273 ) ، الإنصاف ( 1 / 58 ) ، الصاحبي ( 359 ) ، الخزانة ( 3 / 252 ) ، اللسان حقق . ( 2 ) عجز بيت وصدره : قل للأخيطل إذ جد الجراء بنا * . . . انظر ديوانه ( 312 ) التهذيب حق .